السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

480

مفاتيح الأصول

الاستحباب والكراهة إلا أنهما ظاهران في الوجوب والحرمة في العرف واللغة هذا إن بلغ عملهم بتلك الظنون الضعيفة المحتاج إليها في أخبار الآحاد وما يتعلَّق بها حدّ الإجماع وإن لم يبلغ حدّ الإجماع فإمّا أن يقتصر من الظنون على ما قام الدليل القاطع على حجيته ويمنع حجية كلّ ظن للمجتهد عداه يمنع كليّة الكبرى أو لا يقتصر بل يعمل بالكليّة ويستثنى منها ما قام الدّليل على خلافه كظن القياس والرأي والاستحسان ونحوها ولا سبيل إلى الأول لما مر من استلزامه الخروج من الدّين وعدم التديّن بدين خير المرسلين فتعين المصير إلى الثّاني ولكن لا يخفى عليك أن مآل الاستدلال على هذا التقرير راجع إلى الدّليل الرّابع ولكن المقصود من هذا الدّليل إنما هو التّقرير الأولى وإنما ردّدنا بينه وبين هذا التقرير تضيقا على الخصم وسد أبواب محتملات كلامه بحيث لا يمكنه الذب والفرار تحصيلا لمقصوده ومرامه وبالجملة ظهر مما ذكرنا من أول الرّسالة إلى هنا من وجوه شتى حجية الشهرة مطلقا كان معها رواية أو لا اتضح دليلها أم لا لكن خرج منها الشهرة التي لا يتضح دليلها ولا وجدنا معها رواية وغيرها من الأصول مطلقا باشتهار عدم حجيّة مثلها كما ذكره الخال العلامة أدامه اللَّه تعالى وبقي ما عداها من نحو الشّهرة التي معها رواية ضعيفة مثلا باقية بحالها في حجيّتها لعدم مانع عنه لاختصاص الشهرة المانعة عن حجيّة الشهرة بغير مثل هذه الشّهرة ممّا لم يضم إليه نحو رواية ضعيفة ولا مانع عنها عدا الأدلَّة الدالَّة على عدم حجية النفي مطلقا لكن ما قدمناه من الأدلَّة القاطعة على حجية الظنون الاجتهادية في الأحكام الشّرعيّة وما يتعلق بها من نحو الشّهرة وغيرها يخصصها لأنها خاصة والخاص مقدم على العام قطعا ومن هنا يسهل الخروج عما يورد على الاستناد إلى الأخبار الضعيفة والقول بحجيتها بدعوى انجباره بالشهرة من أن كلا منهما بانفراده ليس بحجة شرعية فكيف باجتماعهما يحصل حجّة شرعيّة أقوى من الحجج الشّرعيّة من نحو الصّحاح المستفيضة الَّتي كل منها حجّة مستقلة فضلا عن أن يكون كلها مجتمعة وبعضها إلى بعض منضمّة وذلك فإن الحجة في الحقيقة إنما هي نفس الشهرة لا الرّواية وإنما ذكرت حجة ونسبت إليه الحجية مسامحة تعويلا على الوضوح الخارجي المستفاد ممّا قدّمناه والمقصود من ذكر الرّواية حقيقة إنما هو جعلها طريقا ووسيلة إلى التّخلَّص من الشّهرة المانعة عن حجيّة الشّهرة لعدم دخولها فيها كما عرفت وإلا فليست الرّواية هي الحجّة بل إنما الحجة هي الشهرة فإن قلت إن هذا التوجيه لم يظهر من كلمات الأصحاب القائلين بحجة الرّواية المنجبرة بالشهرة بل ظاهرهم أن الرّواية هي الحجة فيكون توجيها بما لا يرضى قلت أولا إنه لم يظهر من الأصحاب عندهم في حجيّة مثل هذا الرّواية نفيا ولا إثباتا لا بما ذكرنا ولا بما سيذكر من الوجوه أصلا فكما يمكن جعل تلك الوجوه عذرا لهم في ذلك يمكن ما ذكرناه ولا ترجيح أصلا لو لم نقل بترجيح ما ذكرناه فالاعتراض مشترك الورود جدا فما هو الجواب من طرفكم فهو بعينه الجواب من طرفنا فإن قلت اشتهار إطلاق عدم حجيّة الشهرة بينهم يكشف عن عدم كون العذر هذا قلت نمنع الإطلاق إذ لم يظهر منهم إلا عدم حجية الشّهرة الخالية عن دليل لا مطلقا فإن قلت نسبتهم الحجيّة إلى الرواية كاشفة عن فساد هذا العذر قلت كما أنه يمكن أن يجعل هذا قرينة على ذلك كذلك يمكن توجيه الاعتراض المتقدم لولا كون ما ذكرنا قرينة على خلافه وبالجملة عذر الأصحاب غير واضح فلا يتوجه دعوى كون ما ذكرنا توجيها بما لا يرضى وثانيا إن هذا التّوجيه لم أذكره مصححا لطريقتهم بل تحصيلا لعذر نفسي في العمل بالأخبار المنجبرة بالشهرة بيني وبين اللَّه وتخليتها من الاعتراض المتقدم سابقا بناء على قوته ونهاية متانته لولا ما وجّهنا لعدم محيص عنه بعد ذلك عدا الاعتراف بعدم حجيّة الرّواية المنجبرة بالشّهرة وهو يستلزم إخلال ( اختلال ) كثير من الأحكام الشّرعية كما مضى وهذه هي الثمرة العظمى في القول بحجية الشهرة كما هو واضح لمن تدبّرها وأما ما يقال في الذّب عن الاعتراض المتقدم من أن عدم حجيّة الرّواية إنما هو حيث لم يحصل التثبت ولتبين كاشف عن صدقها وصحتها وأمّا معه فهي حجة جدا لأن اللَّه سبحانه تعالى لم يأمر بطرح الرّواية الضعيفة بل أمر فيها بالتّثبت واستظهار الصدق إن ظهر عمل بها وإلَّا طرحت ولا ريب أن الشهرة يحصل بها التثبت ويستظهر بها صدق الخبر فتعيّن العمل به فمنظور فيه لتوقفه على تعميم التثبت للتثبت الظَّنّي وهو مشكل فإن معناه لغة ليس إلا انكشاف حقيقة الخبر وصدقه في نفس الأمر ولا يكون ذلك إلا بتحصيل العلم به واقعا والأصل بقاء هذا المعنى إلى أن يظهر من أهل العرف خلافه ولم يظهر لعدم ثبوت فهمهم منه خلافه بحيث يشتمل التثبت الظني الحاصل من نحو الشهرة بل الظاهر منهم خلافه فالموافقة للغة فإن المتبادر من لفظ التبين عندهم ليس إلا ما هو معناه حقيقة في اللغة فإذا قال رجل مثلا تثبت الحساب والدّفتر فبان لفلان علي كذا فلا شك أن أهل العرف يفهمون منه حصول العلم والقطع للرّجل بالدّين وقد شهد بعضهم بل جملة منهم فمن خال ذهنه عن الشّبهة بذلك بعد عرض المثال عليه ومع ذلك تعليل وجوب التثبت بخوف الوقوع في النّدم أوضح شاهد على لزوم كون التثبت قطعيا إذ مع ظنيته يخاف معه الوقوع في الندم قطعا إذ الخطاء غير مأمون